أبي منصور الماتريدي
365
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ الآية . يحتمل هذا الكلام وجوها : أحدها : على الإنكار ، أي : لا يكون ، لكن هاهنا لا يحتمل ؛ لأنه كان أعلم باللّه وقدرته أن ينطق به ، أو يخطر بباله . والثاني : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي : كيف وجهه وسببه ، وكذلك قوله : أَنَّى لَكِ هذا ، وقوله : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [ البقرة : 259 ] ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا [ البقرة : 247 ] أي : كيف وجهه وما سببه . والثالث : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ في الحال التي أنا عليها ، أو أردّ إلى الشباب ؛ فيكون لي الولد « 1 » . هذان الوجهان يحتملان ، وأمّا الأول : فإنه لا يحتمل . وقوله : وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ وذكر في سورة مريم : قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [ مريم : 8 ] : ذكر على التقديم والتأخير . [ وكذلك قوله : ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً أو ثَلاثَ لَيالٍ [ مريم : 10 ] والقصّة واحدة ؛ ذكر على التقديم والتأخير ] « 2 » ، وعلى اختلاف الألفاظ واللّسان ؛ دل أنه ليس على الخلق حفظ اللفظ واللسان « 3 » ؛ وإنما عليهم حفظ المعاني المدرجة المودعة فيها ، وباللّه التوفيق ، ويعلم أنه لم يكن على كلا القولين ، ولم يكن بهذا اللّسان . وقوله : قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ، وقوله : كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [ مريم : 9 ] وإن اختلف في اللّسان . وقوله : قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً : طلب من ربّه آية ؛ لما لعله لم يعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة ، أو وساوس ؛ فطلب آية ليعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة من اللّه - عزّ وجل - لا بشارة إبليس ؛ لأنه لا يقدر أن يفتعل في الآية ؛ لأن فيها تغير الخلقة والجوهر ، وهم لا يقدرون [ على ] « 4 »
--> ( 1 ) وقيل : إنه سأل هل يكون له الولد من امرأته العاقر أو من غيرها ؟ وقيل : المعنى : بأي منزلة استوجب هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال ؟ على وجه التواضع . ينظر : تفسير القرطبي ( 4 / 51 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط من ب . ( 3 ) في ب : اللسان . ( 4 ) سقط من ب .